صديق الحسيني القنوجي البخاري

313

فتح البيان في مقاصد القرآن

أقسم سبحانه بصفات خمسة موصوفها محذوف فجعله بعضهم الرياح في الكل ، وبعضهم جعله الملائكة في الكل ، وبعضهم غاير فجعله تارة الرياح وتارة الملائكة ، وجعل الجلال المحلي الصفات الثلاث الأول لموصوف واحد وهو الرياح ، وجعل الرابعة لموصوف ثان وهو الآيات وجعل الخامسة لموصوف ثالث وهو الملائكة ، ولم يسلك هذه الطريق غيره من المفسرين . وعبارة النهر : ولما كان للمقسم به موصوفات قد حذفت وأقيمت صفاتها مقامها وقع الخلاف في تلك الموصوفات ، والذي يظهر أن المقسم به شيئان ، ولذلك جاء العطف بالواو في وَالنَّاشِراتِ والعطف بالواو يشعر بالتغاير ، وأما العطف بالفاء إذا كان في الصفات فيدل على أنها راجعة لموصوف واحد . وإذا تقرر هذا فالظاهر أنه أقسم أولا بالرياح ويدل عليه عطف الصفة بالفاء ، والقسم الثاني فيه ترق إلى أشرف من المقسم به الأول وهم الملائكة ، ويكون قوله : فَالْفارِقاتِ فَالْمُلْقِياتِ من صفاتهم وإلقاؤهم للذكر وهو ما أنزل اللّه تعالى صحيح إسناده إليهم . وما ذكر من اختلاف المفسرين في المراد بهذه الأوصاف ينبغي أن يحمل على التمثيل لا على التعيين ، والراجح أن الأوصاف الثلاثة الأول للرياح ، والرابع والخامس للملائكة ، وهو الذي اختاره الزجاج والقاضي وغيرهما . عُذْراً أَوْ نُذْراً انتصابهما على البدل من ذِكْراً أو على المفعولية والعامل فيهما المصدر المنون كما في قوله تعالى : أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً [ البلد : 14 ، 15 ] أو على المفعول لأجله أي للإعذار والإنذار ، أو على الحال بالتأويل المعروف أي معذرين أو منذرين . قرأ الجمهور بإسكان الذال فيهما ، وقرىء بضمها وبسكونها في ( عذرا ) وضمها في نذرا . وقرأ الجمهور عذرا أو نذرا على العطف بأو ، وقرىء بالواو . والمعنى أن الملائكة تلقي الوحي إعذارا من اللّه إلى خلقه وإنذارا من عذابه ، كذا قال الفراء ، وقيل عذرا للمحقين ونذرا للمبطلين . قال أبو علي الفارسي : يجوز أن يكون العذر والنذر بالتثقيل جمع عاذر وناذر كقوله : هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى [ النجم : 56 ] فيكون نصبا على الحال من الإلقاء أي يلقون الذكر في حال العذر والإنذار ، قال المبرد هما بالتثقيل جمع والواحد عذير ونذير ، وقيل الإعذار محو الإساءة ، والإنذار التخويف ، والأول أظهر . ثم ذكر سبحانه جواب القسم فقال : إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ أي إن الذي توعدونه